أبي منصور الماتريدي
161
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - فَاجْتَباهُ رَبُّهُ . أي : اختاره واصطفاه للرسالة ؛ ألا ترى إلى قوله : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [ الصافات : 147 ] . [ وقوله : فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ . فهذا وصف كل نبي في الآخرة ] « 1 » . وقوله - تعالى - : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ . . . [ الآية ] « 2 » . منهم « 3 » من يقول : هذا على التحقيق ، وصرف ذلك إلى قوم بأعيانهم قد عرفوا بخبث الأعين وحلول الآفات بمن يعينونه من أهل الشرف والتبجيل ، ثم الله - تعالى - بفضله عصم رسوله صلّى اللّه عليه وسلم فلم يتهيأ لهم أن يعينوه ، فكان فيه تقرير رسالته وآية نبوته عند أولئك الكفرة . فإن قال قائل : إنهم كانوا يعدون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم من المجانين ، ويقولون : إنه لمجنون ، والمجنون لا يعان ، وإنما يعان أهل الشرف والحجا وذوو الأحلام والنهى ، فما أنكرت « 4 » أنه سلم من الآفة حتى يقصد إليه بالعينة . فجوابه أنهم وإن كانوا يعدونه من جملة المجانين ، فإنهم سمعوا منه ذكرا عجبا وهو القرآن ، ومن أعطي مثل ذلك الذكر والشرف ، فهو مما « 5 » يقصد إليه بالحسد ، فكانوا يعينونه لذلك المعنى ، ثم لم يضره كيدهم ، ولا نفذت فيه حيلهم ؛ فأوجب ذلك تنبيههم « 6 » أنه رسول من الله تعالى . ومنهم من حمله على التمثيل ليس على التحقيق ، فيقول : وإن يكاد « 7 » الذين كفروا لشدة بغضهم وعداوتهم إياك ، ليزلقونك بأبصارهم ، كما يقال : نظر إلى فلان نظرا كاد أن يقتلني ، فيقوله على التمثيل . ثم قوله : لَيُزْلِقُونَكَ أي : يسقطونك ويصرعونك . وقوله : لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وهو القرآن .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : فمنهم . ( 4 ) في أ : فأنكرت . ( 5 ) في ب : ما . ( 6 ) في أ : بينهم . ( 7 ) في ب : كاد .